كيف حسم التوثيق نزاعات التسوية العمالية في المحاكم؟
25 نوفمبر 2025

بين الإكراه والتوثيق: كيف حسمت المحكمة نزاع التسوية العمالية؟

توثيق كل ما ينشأ عن عقد العمل يحمي أصحاب الشركات والعمل من ادعاءات الإكراه فيما بعد ، حيث يتم إنشاء سجل قانوني واضح بين العامل وصاحب العمل يوثق كل ما يحدث بين الطرفين تجنباً للنزاعات المستقبلية، وبالإضافة الى حماية الشركات وأصحاب الأعمال من دفع تعويضات بمبالغ خيالية للعمال ، وخلال هذا المقال سيوضح مكتب السلامه للمحاماة ، كيف أن التوثيق للعلاقة التعاقدية العمالية حسم قضية تسوية عمالية لصالح صاحب العمل.

 

الوقائع بين العامل وصاحب العمل:

جاء يوم 4 يوليو 2024، ووجدت الشركة نفسها أمام ضرورة إنهاء عقد المدعي، فأخبرته الشركة المدعي عليها ، وكان الانتهاء بالتراضي بينهم ، وتم الموافقة عليه.

بعد انتهاء العلاقة، طالب المدعي أمام المحكمة العمالية الشركة المدعي عليها بالعديد من المستحقات، شعر أنها من حقه، وقد لخصها في النقاط التالية:

  1. تعويض عن إنهاء العقد: بما أن عقده كان محدد المدة وبقي فيه 6 أشهر، طالب بتعويض قدره (43 ألف ريال )، مستندًا للمادة 77 من نظام العمل.
  2. أجور متأخرة: عن 15 يومًا من يناير 2024، بمبلغ ( 11 ألف ريال)
  3. مبالغ محسومة: قدرها ( 1400 ريال) في يوم إنهاء العقد.
  4. تعويض عن رصيد الإجازات: إجازة مستحقة لـ 30 يومًا من عام 2024، بمبلغ (6000 ريال).
  5. شهادة خدمة: عن فترة عمله كاملة.
  6. إخلاء طرف: يخص مستنداته الموجودة لدى الشركة.
  7. مكافأة نهاية الخدمة: عن سنوات خدمته الطويلة، بمبلغ ضخم قدره(209 ألف ريال)..

تقدم  بدعواه القضائية، مطالبًا بتلك المستحقات.

 

رد الشركة: اتفاق وتسوية وجدولة

لم يأتِ رد محامي الشركة بنفي للمستحقات، بل أكد على صحة جزء كبير من ادعاءات المدعي فيما يخص تاريخ البدء، المهنة، والأجر. لكنه قدم دفاعًا قويًا مبنيًا على نقطتين محوريتين:

  1. الإنهاء بالتراضي: أكدت الشركة أن إنهاء العقد لم يكن بطلب منها فقط، بل تم “بناء على رغبة الطرفين” بموجب مذكرة إنهاء بالتراضي موقعة من المدعي.
  2. التسوية والجدولة: وهو بيت القصيد في هذه القضية، أشار محامي الشركة إلى أنه بعد إنهاء العقد، تم الاتفاق على تسوية شاملة لكافة مستحقات المدعي بمبلغ إجمالي قدره (269 ألف ريال) الأهم من ذلك، أن المدعي وقع على وثيقة “جدولة سداد” لهذا المبلغ على أقساط شهرية، بعد أن استلم جزءًا منها ، والمتبق هو (236 ألف ريال فقط في ذمة المدعي عليها)

وبناءً عليه، طلبت الشركة من المحكمة رفض دعوى المدعي، مؤكدة أنها ملتزمة بالجدولة المتفق عليها وقامت بالفعل بسداد القسط الأول.

 

مفتاح النزاع: الإكراه المزعوم

هنا تبرز نقطة الخلاف الجوهرية، أقر المدعي بأن المبلغ المستحق له هو فعلاً ما ذكرته الشركة (236 ألف ريال بعد خصم ما استلمه)، وأقر بأنه وقع على الجدولة، لكنه فجّر مفاجأة: “وقعت عليها مكرهًا! كنت محتاج المبلغ وعندي إيجار وسند تنفيذي بمبلغ كبير، والشركة قالت لي ما في أي مبلغ يطلع إلا بتوقيع الجدولة.
رد محامي الشركة بقوة على هذا الادعاء: “ما ذكره من الإكراه غير صحيح، الجدولة كانت بعد انتهاء العلاقة العمالية بشهرين، فلا سلطة لموكلتي عليه، وكان يستطيع التقدم للقضاء مباشرة، ووجود تسوية المستحقات كان يمكن أن يستخدمها أمام القضاء.

 

الحكم: الصلح يقف صامدًا أمام ادعاء الإكراه

بعد سماع الطرفين ومراجعة الوثائق، أصدرت الدائرة القضائية حكمها:

أولاً: عدم قبول طلبات المدعي الأساسية:

(التعويض عن المدة المتبقية، الأجور المتأخرة، المبالغ المحسومة، أجر الإجازات المستحقة، مكافأة نهاية الخدمة)

ثانياً: إلزام الشركة بتسليم شهادة خدمة للمدعي:

توضح تاريخ التحاقه بالعمل، وتاريخ انتهاء علاقته به، ومهنته، ومقدار أجره الأخير (مع تصحيح المسمى الوظيفي من “سكرتير” إلى “مدير مكتب المدير التنفيذي” وتصديقها وبيان الأجر).

ثالثاً: رفض طلب المدعي إلزام الشركة بإخلاء طرفه:

لعدم تقديمه ما يثبت التزام الشركة به أو ما يسنده نظامًا.

 

يهمك أيضا : هل يجوز ان يتضمن عقد العمل شرط التحكيم

 

الأسباب:

استندت المحكمة العمالية في حكمها على الأسباب التالية:

  1. الصلح عقد لازم: اعتبرت المحكمة ما جرى بين المدعيين من تسوية وجدولة للمستحقات هو في حقيقته “صلحًا” يقتضي تأجيل سداد الدين، وبموجب نظام المعاملات المدنية، عقد الصلح إذا تم صحيحًا فهو لازم ولا يجوز نقضه أو تعديله إلا بالاتفاق أو بنص نظامي.
  2. تعريف الإكراه: بالرجوع إلى نظام المعاملات المدنية (المادتين 64 و65)، أوضحت المحكمة أن الإكراه الذي يبطل العقد هو “تهديد شخص دون حق بوسيلة مادية أو معنوية تخيفه فتحمله على التصرف”، وأن التهديد يجب أن يكون “بخطر جسيم محدق يلحق بالنفس أو العرض أو المال”.

والإكراه هنا منتفي في حالة المدعي حيث إن ما ذكره ليس إكراهًا مؤثرًا في صحة العقد للأسباب التالية:

  • انعدام الخوف: لم تثبت المحكمة وجود خوف بالمعنى القانوني الذي يجعل إرادة المدعي معدومة.
  • انعدام التهديد بخطر جسيم: لم يكن هناك تهديد مباشر بضرر جسيم يلحق بخالد أو ماله بطريقة غير مشروعة.
  • انعدام العلاقة العمالية والتبعية: الأهم هو أن توقيع المدعي على الجدولة جاء بعد شهرين من انتهاء علاقته العمالية بالشركة، في هذه المرحلة، لم تعد الشركة تمارس عليه أي سلطة أو إشراف، وكان بإمكانه اللجوء إلى القضاء مباشرة للمطالبة بمستحقاته دون الحاجة للتوقيع على الجدولة إذا كان يرى فيها إجحافًا.
  • وجود مستند تسوية: كان المدعي يمتلك مستند تسوية يقر فيه بالمبلغ، وكان يمكنه استخدامه أمام القضاء.

بناءً عليه، أطاحت المحكمة بدفع المدعي بالإكراه، ورأت أن الجدولة المتفق عليها ملزمة.

 

العبرة القانونية لأصحاب العمل والشركات:

  • أهمية التوثيق والاتفاق: تُظهر هذه القضية الأهمية القصوى لتوثيق كل الاتفاقيات بين صاحب العمل والموظف، سواء كانت عقود عمل، اتفاقيات إنهاء، أو تسويات مالية، الاتفاقيات المكتوبة والموقعة هي حجر الزاوية في أي نزاع.
  • عقد الصلح ملزم: إذا اتفق الطرفان على صلح أو تسوية، فإن هذا الصلح يُعد عقدًا ملزمًا لا يمكن التراجع عنه بسهولة.
  • تعريف الإكراه قانونيًا: يجب الانتباه إلى أن الشعور بالضغوط المالية أو الحاجة لا يُعتبر “إكراهًا” بالمعنى القانوني الذي يبطل العقد، ما لم يكن هناك تهديد مباشر غير مشروع وخطر جسيم يقع على الشخص، والحاجة المادية، وإن كانت حقيقية، لا تجعل العقد باطلاً إذا لم تقترن بتهديد غير مشروع من الطرف الآخر.
  • شهادة الخدمة حق: أكد الحكم على حق الموظف في الحصول على شهادة خدمة توضح بياناته الأساسية بشكل صحيح.

 

رأي مكتب السلامه للمحاماة :

من منظور مكتب السلامه ، تُعد هذه القضية مثالًا قانونياً على أهمية الفهم الدقيق للمفاهيم القانونية، لا سيما مفهوم “الإكراه عند إنهاء عقد العمل “ على الرغم من تفهمنا للظروف الشخصية الصعبة التي قد يمر بها الأفراد، إلا أن القانون له معاييره الصارمة لتحديد متى يكون الرضا منقوصًا.

لقد أحسنت الشركة ومحاميها في توثيق اتفاقية الإنهاء بالتراضي، ومن ثم تسوية المستحقات وجدولتها بتوقيع الموظف، هذه المستندات الرسمية كانت حجر الزاوية في دفاعهم.

كان الخطأ الجوهري من جانب الموظف هو التوقيع على جدولة السداد رغم شعوره بعدم الرضا، ومن ثم ادعاء الإكراه بعد مرور وقت؛  كان الأجدى به، بمجرد استلام مستند التسوية الذي يقر بالمبلغ، أن يرفض التوقيع على الجدولة ويلجأ إلى المحكمة مباشرة للمطالبة بالمبلغ دفعة واحدة، خاصة بعد انتهاء علاقته بالشركة وزوال أي سلطة عليها.

هذه القضية تبعث برسالة واضحة لكل من صاحب العمل وللشركات : توثيق العقود والاتفاقيات بشكل قانوني سليم هو الدرع الواقي لكم، والفهم الصحيح لحقوقكم وإجراءات المطالبة بها هو مفتاح العدالة.

المصدر:-

البوابة القانونية العلمية:

https://laws.moj.gov.sa/ar/JudicialDecisionsList/0/laOC7bAUpzqyL7FhbYV7koJkdcVsT8gx0FF0V4uqaSOQa5exBKmH10gb4F8C7Msq
شارك على لينكدان

التعليقات

لا توجد تعليقات بين الإكراه والتوثيق: كيف حسمت المحكمة نزاع التسوية العمالية؟

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *