متى يكون الفعل دليلًا وكيف تفسر المحاكم السعودية سلوك الشركات في العقود؟
تفسير المحاكم السعودية لسلوك الشركات في العقود ليس أمرًا مستجدًا، بل امتداد لمنهج طويل في القضاء يرتكز على مبدأ أصيل هو أن الإرادة في العقود لا تُفهم من الكلمات وحدها، بل قد تُكتشف من الأفعال التي تظهر القبول أو الرفض، وأن دلالة الفعل قد تكون دليلًا قاطعًا في العقود التجارية والمعاملات المدنية.
مع توسع الأنشطة الاقتصادية وتعدد أشكال التعاقد، باتت الشركات أمام واقع قانوني مهم: أن السلوك العملي قد ينشئ التزامًا، وأن القبول الضمني قد يكون مساويًا في حجّيته للتوقيع المكتوب، وهو ما تؤكده أحكام المحاكم السعودية قديمًا، وما صاغه حديثًا نظام المعاملات المدنية بعبارات واضحة ودقيقة ، وسيتم توضيحه خلال تلك المقالة.
عناصر المقال
متي يكون الفعل دليلاً في المحاكم السعودية؟
لم تكن دلالة الفعل طارئة على القضاء السعودي، ولا وافدة من تشريعات خارجية، ولا مقترحًا حديثًا اكتشفته الأنظمة المقارنة؛ فهي قاعدة راسخة في القضاء قبل أي تقنين، ومنهج قضائي تعاملت معه المحاكم التجارية السعودية بوصفه جزءًا من بنية الفقه السعودي الذي يقدّم الحقيقة العملية على الشكل، ويقدّم ما يجري على الأرض على ما يُكتب في الأوراق.
لذلك فالسؤال اليوم: متى يكون الفعل دليلًا؟
ليس سؤالًا في حداثة النظام، بل في تفسير المحاكم للسلوك بعد أن أضيف له إطار نظامي حديث يعكس ما كان القضاء يطبقه أصلًا، وكيف أصبح هذا الفهم ضرورة للشركات التي تعمل بعادات تجارية تتشكل فيها الالتزامات قبل اكتمال الصياغات الرسمية.
تفسير المحاكم السعودية لسلوك الشركات في العقود
منذ سنوات طويلة، رسّخت المحاكم السعودية مبدأين جوهريين أصبحا جزءًا من البنية القانونية للتعاقد: الأول أن الفعل قد يكون أبلغ من القول، والثاني أن الأخذ بدلالة الفعل واجب متى دلّ على القصد بشكل ظاهر، فكانت المحاكم تستنبط الرضا من طبيعة التعامل، وتستخرج الإرادة من سياق الوقائع، وتقرأ العقد من مسار التنفيذ لا من تاريخ التوقيع فقط، وحين صدر نظام المعاملات المدنية، لم يكن الهدف إدخال فلسفة جديدة، بل إعادة صياغة ما تراكم في القضاء في مادة نظامية واضحة مثل المادة (33) التي جعلت المعاطاة والسلوك والتعامل السابق وسائل كاملة للتعبير عن الإرادة، وجعلت القبول الضمني جزءًا أصيلًا من تكوين العقد.
تطبيقات المحاكم السعودية للفعل في سلوك الشركات
تتجلى هذه الفلسفة القضائية في تطبيقات عديدة، فعندما تتسلم شركة بضاعة دون تحفظ مكتوب، فإن القضاء يرى أن هذا السلوك قبول بالأسعار والشروط، وأن الاعتراض اللاحق لا ينسف حقيقة التعامل، وعندما يدخل المقاول موقع المشروع ويبدأ العمل، فإن الدوائر التجارية تقرأ ذلك باعتباره قبولًا ضمنيًا، حتى لو لم يُوقّع العقد بعد، لأن الشركة التي لا ترغب لا تفتح موقعها ولا تمكن من التنفيذ؛ فالفعل هنا أوضح من أي عبارة حافظة للحقوق.
ولا يختلف الأمر عند استمرار علاقة تعاقدية بعد انتهاء مدتها المكتوبة؛ فالقضاء السعودي لطالما اعتبر أن استمرار الطرفين في الأداء أو التسلّم هو تجديد ضمني للعقد، لأن الشركات في طبيعتها لا تستمر في الالتزامات إلا برضا، وهو رضا يُستفاد من الفعل لا من تكرار التوقيع، وهنا يظهر دور العرف التجاري، الذي طالما استخدمته المحاكم لتفسير السلوك: فإذا كان نمط العلاقة بين الطرفين يقوم على قبول العرض بالمعاملة لا بالمكاتبات، فإن الصمت يصبح في ذاته دلالة فعلية لها وزنها القانوني.
سوابق قضائية تجارية
وفي أحد السوابق القضائية التجارية، نظرت محكمة الاستئناف نزاعًا حول فسخ عقد بيع شركة، ورغم تمسّك أحد الأطراف بأن الفسخ تم عبر خطاب موقع، كشفت الوقائع اللاحقة أن هذا الادعاء لا ينسجم مع السلوك الفعلي، إذ استمر مدعي الفسخ في مخاطبة البنوك بوصفه مالك الشركة وطلب تجميد حساباتها باسمه، أما التصرفات التي استند إليها لإثبات الفسخ كتعيين مدير جديد أو دمج القوائم فكانت التزامات إدارية نص عليها عقد البيع نفسه، ولذلك قررت المحكمة أن الفعل اللاحق هو الدليل الأقوى، فرفضت دعوى الفسخ وألزمت المدعي بدفع المتبقي من الثمن.
دور القرائن العلمية في تفسير سلوك الشركات
كما يولي القضاء أهمية خاصة للقرائن العملية، وهي جزء من منهجية القضاء السعودي في استنباط الإرادة: التكرار، التسليم، السكوت في موضع لا يُسكت فيه، الاعتماد على سلوك معين دون تحفظ، الترتيبات التي جرت سابقًا؛ كل ذلك يشكل لغة فعلية تقرأها المحكمة باعتبارها الدليل الأقوى على نشوء الالتزامات.
المادة 66 من نظام الإثبات وتفسير سلوك الشركات
ورغم قوة مبدأ دلالة الفعل، إلا أن النظام لم يجعله مفتوحًا بلا حدود، فالأصل وفق المادة (5) من نظام الإثبات أن الالتزام لا يحتاج شكلًا معينًا لإثباته، لكن هذا الأصل يتوقف متى وُجد نص خاص يشترط الكتابة، كما في المادة (66) التي أوجبت إثبات التصرفات التي تزيد قيمتها على مائة ألف ريال بالكتابة ومنعت قبول الشهادة أو القرائن في هذه الحالة، كما تقضي المادتان (84) و(85) بأن القرائن لا تُقبل إلا فيما يجوز إثباته بالشهادة، فإذا كان النظام يشترط الكتابة امتنع الاستناد إلى السلوك الضمني، ومع ذلك، جاءت نصوص أخرى كالمادة (37)، و(44)، ومواد العيوب (350)، والمادة (570) لتؤكد أن السكوت أو الإخطار أو الامتناع قد يتحول إلى إرادة قانونية كاملة، وهو ما يجعل فهم هذه الضوابط أساسًا في تفسير السلوك في العقود التجارية.
ومن هنا، يصبح النظام الجديد رغم حداثته امتدادًا لما كان يحدث في القضاء؛ فالتعبير بالمعاطاة، والقبول الضمني، والاعتماد على التعامل السابق ليست مفاهيم مستحدثة، بل هي تعزيز يقين تجاري، وتوفير إطار مكتوب لآلية كانت قائمة أصلًا.
لماذا يعد فهم سلوك الشركات وأفعالها في غاية الأهمية؟
تزداد أهمية هذا الفهم في بيئة الشركات، لأن الفعل ليس مجرد تنفيذ، بل رسالة قانونية، والتصرفات اليومية كالسماح بالدخول، أو استلام البضاعة دون تحفظ، أو السداد الجزئي، أو الاستمرار في استلام الخدمة هي في جوهرها دلائل قانونية، ولهذا أصبحت إدارة سلوك الشركة جزءًا من الحوكمة القانونية، مثلها مثل إدارة العقود، فالتوقيع لا يحمي الشركة إذا كانت أفعالها تعبر عن إرادة مختلفة، والمحاكم السعودية كما تكشف أحكامها ستقرأ الفعل قبل أن تصدق القول.
أسئلة وأجوبة؟
متى يكون فعل الشركات دليلاً ؟
من خلال تفسير المحاكم التجارية لسلوك الشركات بناء على قاعدتين في غاية الأهمية:
1- أن الفعل قد يكون أبلغ من القول.
2- أن الأخذ بدلالة الفعل واجب متى دلّ على القصد بشكل ظاهر،
كيف فسرت المحاكم السعودية سلوك الشركات؟
تتجلى هذه الفلسفة القضائية في تطبيقات عديدة، فعندما تتسلم شركة بضاعة دون تحفظ مكتوب، فإن القضاء يرى أن هذا السلوك قبول بالأسعار والشروط، وأن الاعتراض اللاحق لا ينسف حقيقة التعامل، وعندما يدخل المقاول موقع المشروع ويبدأ العمل، فإن الدوائر التجارية تقرأ ذلك باعتباره قبولًا ضمنيًا، حتى لو لم يُوقّع العقد بعد، لأن الشركة التي لا ترغب لا تفتح موقعها ولا تمكن من التنفيذ؛ فالفعل هنا أوضح من أي عبارة حافظة للحقوق.
ما هي المادة 66 من نظام الإثبات؟
1- يجب أن يثبت بالكتابة كل تصرف تزيد قيمته على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) أو كان غير محدد القيمة.
2- لا تقبل شهادة الشهود في إثبات وجود أو انقضاء التصرفات الواردة في الفقرة (1) من هذه المادة، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك.
وفي النهاية، يظل الجواب واضحًا: يكون الفعل دليلًا حين لا يحمل إلا معنى القبول، ويكون سلوك الشركة عقدًا حين تتصرف كما لو أنها ارتضت العلاقة، إلا فيما استثناه النظام، وهذا ما يجعل من فهم دلالة الفعل ضرورة لكل شركة، ومدير، ومستشار قانوني؛ لأنه ليس مجرد مفهوم نظري، بل جزء من الواقع العملي والقضائي في السعودية.


