جريمة التستر التجاري

الاقتصاد هو عصب الحياة في الدول وأي ومحاولة للمساس به تمثل مساس بأمن الدول نفسها وهو الامر الذي حث الدول على حماية اقتصادها بكل وسائل الحماية المشروعة الممكنة .

وتتمثل تلك الحماية في وضع الملائم من التشريعات التي ُيهدف من خلالها حماية اقتصاد الدولة والاخذ على يد من يحاول العبث به.

ونظرا لبعض الظروف الخاصة أو لاعتبارات معينة ببعض الدول أو المجتمعات تظهر أنواع معينة من الجرائم التي قد لا تظهر في غيرها وبالتأكيد من ضمن هذه الجرائم ماهو متصل بالاقتصاد فهو ليس بمنأى عن ذلك .

ومن الجرائم الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة جريمة " التستر التجاري " وسنوضح في هذا البحث الجانب القانوني لهذه الجريمة في المملكة العربية السعودية لكونها من أبرز الدول المطبقة لهذا النظام .

أن جريمة التستر التجاري لها من التأثير السلبي العميق على الاقتصاد فهي من جهة تمثل منافسة غير مشروعة للصناعات الصغيرة والمتوسطة مسببة لها الكثير من الخسائر ، ناهيك عن الغش التجاري الذي يستخدم من خلالها لتحقيق أقصى ربح ممكن وما يسببه من تدمير لاقتصاد البلاد وسمعة سيئة للإنتاج المحلي، كما انها تهدر حق الدولة من الضرائب المفروضه وفق لنظام الاستثمار في اللملكة والذي يحدد عشرون بالمائه من الربح ضريبة على الافراد المستثمرين من الخارج والتي لا تُحصل مما يؤثر بالسلب على ميزانية الدولة وخطط التنمية بها ، كما أن خروج تلك الأموال يؤثر بالسلب على اقتصاد البلاد لعدم استخدامه في مجالات التنمية وترقية الاقتصاد، وأخيرا أهم خطر على أي دولة في الوقت الحالي وهو المتمثل في جريمة غسيل الأموال وعلاقتها بالارهاب الدولي الذي تعاني منه الكثير من الدول فالحركة الخفية لتلك الأموال يجعلها موردا مهما وآمنا لتمويل الارهاب .

 

 

من هنا لنحاول من خلال هذا البحث اعطاء فكرة قانونية مبسطة عن هذه الجريمة .

جريمة التستر التجاري – ماهي هذه الجريمة من منظور القانون الجنائي ، كيف يمكن القول بأن الفعل المرتكب هو الفعل المُجرم والمكون لهذه الجريمة ، هل عالج المشرع هذا الفعل كما ينبغي أو بمعنى آخر هل حققت العقوبات المفروضة طبقا للقانون الغرض المرجو منها أم لابد من إتخاذ إجراءات أخرى وتدابير إضافية للحد من هذه الجريمة .

لنبدأ بالبحث في جريمة التستر التجاري طبقا للأنظمة المطبقة ، سنجد أن نظام مكافحة التستر السعودي الصادر برقم م/22 بتاريخ 4/5/1425 هـ وضح في مادته الأولى ماهية جريمة التستر التجاري .

 

حيث نص على أن " لا يجوز لغير السعودي – في جميع الأحوال – أن يمارس أو يستثمر في أي نشاط غير مرخص له بممارسته أو الاستثمار فيه بموجب نظام الاستثمار الأجنبي أو غيره من الأنظمة أو اللوائح والقرارات .
ويعد – في تطبيق هذا النظام – متستراً كل من يمكن غير السعودي من الاستثمار في أي نشاط محظور عليه الاستثمار فيه أو ممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري، أو بأي طريقة أخرى "

انطلاقا من النص القانوني السالف وما ورد به من احكام سنجد بمنتهى البساطة والوضوح أنه قد وضع العناصر التي يمكن أن نهتدي بها .

من هم الأشخاص المعنيون بنص المادة الأولى من نظام مكافحة التستر .

بمنتهى البساطة والوضوح المقصود بجريمة التستر التجاري هو ممارسة أي شخص غير سعودي لأنشطة تجارية أو استثمارية من الباطن داخل المملكة العربية السعودية ولم يكن حائزا للتراخيص أو التصاريح اللازمة لذلك من الجهات المختصة .

ولكن هل يتوقف الامر على ذلك ..

كلا بل سنجد أن الفقرة الثانية من ذات المادة ألحقت بذلك الشخص الأجنبي في ارتكاب ذات الجرم أيضا كل من عاونه سواء كان سعوديا أو غير سعودي ، وذلك بأن ساعده بأي شكل من الأشكال كأن منحه رخصة محله أو اسمه التجاري أو سجله التجاري لكي يعمل من خلالها .

بمعنى أبسط لكي نقول بوقوع هذه الجريمة لابد من توافر ركنين الأول يتعلق بالأشخاص من حيث ضرورة وجود شخصين أولهما هو المتستر أي الأجنبي الوافد وثانيهما هو المتستر عليه أي السعودي أو الأجنبي المرخص له الاستثمار في السعودية على السواء هذا هو الركن الأول، الركن الثاني أن هذا الأجنبي المتستر يمارس نشاطا ويعمل بدون وجه حق ومخالفا للأنظمة المعمول بها داخل السعودية وذلك بمعاونة من المتستر عليه أياً كانت نوع هذه المعاونة .

التساؤل الذي يثور هنا من هو " الأجنبي المتستر " المخاطب في هذه المادة ، هو كل شخص ليس من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي لأنه وطبقا لقرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 20/4/2009 م برئاسة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود تطبق المساواة التامة في المعاملة بين كل مواطني دول المجلس في ممارسة كافة المهن والحرف والأنشطة التجارة والاقتصادية والاستثمارية والخدمية عدا ما أستثني منها بقرار من المجلس الأعلى .

بالتالي وتبعا لذلك القرار يعد أجنبي عن السعودية كل من هو ليس مواطن من دول مجلس التعاون الخليجي، بالتالي فإنه يخضع لأحكام نص المادة الأولى من نظام مكافحة التستر التجاري السعودي .

ما هو الفعل المُجرم طبقا لذات نص المادة .

لنتفق على أن الأعمال المقصودة هنا لا تقتصر على ممارسة العمل التجاري فقط ، بل يتسع الامر ليشمل كافة الأنشطة الإقتصادية والمهنية والحرفية ولا يعتمد على استخدام السجل التجاري فقط ولكن الاسم التجاري لهذا الشخص ، علامته التجارية ، ترخيصه بالمجمل أي وسيلة تمكن هذا الأجنبي من ممارسة ومزاولة نشاطه وتسهيل اعماله .

فمتى يمكن أن نقول أن هناك جريمة تستر تجاري قد وقعت، هل مجرد قيام بعض العمال الأجانب باجراء معاملات تجارية يكون كافيا للقول بوقوع هذه الجريمة .

لكي نقول بأن أشخاصا قد ارتكبوا جريمة التستر التجاري مثلما نص عليها النظام لابد أن يقوم الطرف الأول وهو الأجنبي المتستر بالاقدام على ممارسة – وهو المحظور عليه ذلك – أي نشاط تجاري أو اقتصادي أو مهني أو حرفي لحسابه ولنفسه هو وذلك بغية التربح لنفسه من هذا النشاط .

وفي ذات الوقت يتلقى المعاونة من الطرف الثاني وهو المتستر عليه السعودي أو الأجنبي المرخص له بالنشاط بأن يقدم له كافة الوسائل اللازمة للإدارة هذا النشاط بأن يؤجر أو يتيح للأجنبي استخدام رخصة محله التجاري أو اسمه أو علامته التجارية بالرغم من الحظر المفروض عليه في هذا الشأن وذلك بدون مقابل أو بمقابل جُعل أو استقطاع مالي يؤدي إليه بصفة منتظمة مقابل تلك المعاونة أو التسهيلات الممنوحة .

ويلاحظ أن الطرفان هنا يعلمان علماً يقينيا بأنهما مخالفان للأنظمة والقوانين المعمول بها في البلاد ، أي أن القصد الجنائي العام يكفي هنا للقول بوقوع الجريمة دون حاجة لتوافر القصد الجنائي الخاص وبالتالي ضرورة التثبت من اتجاه نيتهم إلى ارتكاب الفعل المُجرم من عدمه .

ولكن الشرط الأساسي والذي لابد من اثباته دائما في جريمة التستر التجاري ولا مناص من توافره ألا هو ممارسة الأجنبي المتستر النشاط المحظور عليه ممارسته لصالحه هو وتربحه منه .

لأنه إذا ما تمكن الأجنبي من اثبات عكس ذلك بأن اثبت أن ما قام به من اعمال أو نشاط وكذا أن العائد المادي والربح هو لمصلحة صاحب العمل فهنا تنتفي جريمة التستر التجاري بالكلية .

فقد يقوم الأجنبي باجراء أو انهاء بعض الاعمال التجارية أو حتى التعامل مع البنوك والمصارف في عمليات سحب أو ايداع ولكن المناط هنا هل كانت تلك الاعمال لصالحه هو أم أنه اداها باعتباره مفوضا أو وكيلا عن رب العمل وكذا لحساب رب العمل ، ففي هذه الحالة لا يكون الأجنبي يعمل بالمخالفة للقانون حتى وإن كان نتيجة عمله حصوله على بعض العمولات أو الاستقطاعات المالية لكون ذلك الامر مأذون به في نظام العمل والعمال .

وقد عمل المشرع السعودي إلى اصدار الأنظمة اللازمة لمنع تلك الأفعال وذلك بتجريمها ووضع العقوبات الجزائية لمرتكبيها، ولكن هل العقوبات الواردة أدت إلى القضاء على جريمة التستر التجاري هذه؟

العقوبات الجزائية بحد ذاتها ولوحدها ليست العلاج الناجع لحل مثل تلك المشكلة ، بل لابد من النظر أولا في مسببات ظهور وانتشار هذا الفعل المجرم ومحاولة تلافيها وكذا اجراء التعديلات التشريعية اللازمة لكي يتم تلافي كل ما يؤدي إلى وجود وانتشار هذه الجريمة.

رغم فتح مجال الاستثمار في السعودية إلى ان ارتكاب جريمة التستر التجاري منبعها سهولة ممارسة النشاط مقارنه بالطريقة المتبعة لدى الهيئة العامة للاستثمار .

أيضا من الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الجريمة في السعودية بعض الأنظمة المعمول بها مثل نظام الكفيل وشركات استقدام العمالة الجنبية إلى البلاد فلابد من وضع قواعد صارمة يعمل بها من حيث متابعة تلك الشركات بالنسبة لعدد العمالة الوافدة وأنواعها ومدى الحاجة إليها فعلا في سوق العمل والتشدد في الحصول على البيانات الخاصة بها لأمكان متابعتها والرقابة عليها للتأكد من أنها تمارس الأعمال المنوطة بها ولا تتعداها إلى غيرها من الأعمال ، وكذا التفتيش على اصحاب الأعمال التجارية الصغيرة كالمحلات التجارية والبقالات والورش الصناعية للتأكد من شخصية المدير الفعلي للنشاط هذا من ناحية .

استقدام العمالة الوافدة دون توفير عمل حقيقي لهم سيجعلهم باحثين عن مصادر رزق مختلفه ومن ثم تتوفر لهم الفرص لانشاء أعمالهم بينا العمالة الوافدة لاعمال محددة فهي مرتبطه باعمالها وتستلم اجورها بشكل دوري مما يجعلها لا تبحث عن مصادر بديله للرزق .

من ناحية أخرى لابد من اتخاذ بعض الخطوات في المجتمع نفسه من حيث تشجيع الشباب على ممارسة الحرف والصناعات الصغيرة لملء هذا الفراغ وعليه احلال العمالة المحلية مكان العمالة الأجنبية الوافدة وبالتالي خلق فرص عمل عديدة .

فالامر في علاج هذه الجريمة من شقين الأول مجتمعي والثاني قانوني .

الأول مجتمعي من خلال العمل على تغيير بعض الأفكار الاجتماعية التي تعيق العمل في المجالات التجارية الصغيرة والمتوسطة والتشجيع على مزاولتها من حيث تغيير النظرة الاجتماعية إلى من يزاولها لكون تلك الاعمال صغيرة حجما أو قليلة العائد المادي أو لقساوة ظروف العمل بها مما أدى بالكثيرين إلى الاحجام عن مزاولتها لوجود تلك النظرة المجتمعية ، من ناحية أخرى فإن هذا الوافد ونظرا لضيق الاحوال المادية به وشظف العيش فإنه يحاول من زيادة مدخوله المادي بالعمل بالعديد من المهن الصغيرة والتي كما أسلفنا يحجم كثيرين عنها ولكنها اعمال مهنية جد ضرورية للسوق نفسه ومحاربتها قد تضر بقطاع اقتصادي عريض ، والدولة نفسها في حاجة إليه ولا يمكن اغفاله ، لذا من الافضل احتوائه والاستفاده منه من خلال تقنين أوضاعه وحث الشباب لدخوله .

كما ان نشر نتائج التطور في مكافحة هذه الجريمة ونتائج العقوبات المفروضه ستصب في زيادة الوعي لدى المجتمع وبالتالي احجام المجتمع عن ارتكاب مثل هذه الجرائم

ثم نصل إلى الشق القانوني والمتمثل في ضرورة تحديث المنظومة التشريعية من خلال ادخال واجراء التعديلات التشريعية اللازمه وتسهيل إجراءات الاستثمار للأجانب الراغبيه في ممارسة الأنشطة التجارية والاستثمارية داخل البلاد بصورة قانونية فهو قطاع يحتاجه السوق الداخلي بشدة للاستفاده من خبراته ومهاراته فدمجه سيؤدي إلى نتائج افضل، والاستمرار في ما نهجته الحكومة الرشيدة من أنظمة مثل نظام أجور الذي سضبط مداخيل العمالة الوافده ويجعل الصورة المالية اكثر وضوحا ، ونذكر ان الاستمرار في التأكد من تطبيق نظام العمل والعمال وان العمالة الوافدة تعمل لدى الجهات المستقدمة لها وان لا تترك العمالة دون اعمال او دون دفع الأجور مما سيمتع العامل من السعي للعمل الفردي ومن ثمخلق مجالات للتستر التجاري، كما ان تطبيق العقوبات الوارد في نظام مكافة التستر التجاري ونظام مكافحة غسيل الأموال سيحقق نتائج عالية